فرس أدهم في غبار، بلا وجه بيّن

عنترة بن شداد

هل غادر الشعراء

هل غادر الشعراء من متردّم

الكامل · قافية الميم · نحو ٥٨٠م · 74 بيتاً

مطلع يشكّ في أن الشعراء تركوا قولاً لم يرقّعوه، ثم دار عبلة، ثم الفرس والرمح، وخمرة لا تَكلِم العرض.

الغريب معنى معجمي على سنن الزوزني والتبريزي وابن الأنباري، وشرح المقطع على طريقتهم، لا نقل حرفي من حاشية. الرواية هي هذه النسخة، وإذا سقط بيت اشتهر في رواية أخرى نُبّه عليه في موضعه.

مواطن الجمال

الدار وعبلة

هل غادر الشعراء من متردّم: المتردّم الموضع يُرقع. السؤال يأسٌ من ابتكار المطلع ثم يأتي هو بمطلع جديد. الدار بعد توهم، وعبلة، ثم روضة أنف يشبّه بها الريق. ويختم اللوحة بذباب يحكّ ذراعه كقدح الأجذم على الزناد.

موضع الجمال. المطلع نقدٌ للشعر في بيت شعر. والذباب في آخر اللوحة يخرج الوصف من الحلية إلى حركة حية.

1

هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم

أم هلْ عرفتَ الدارَ بعدَ توهمِ

  • متردّم · موضع يُرقع، أي ما ترك الشعراء قولاً إلا رقعوه
  • توهم · تفرّس الأثر

يسأل إن كان الشعراء تركوا قولاً لم يرقّعوه، ثم يرقّع هو المطلع نفسه.

2

يا دارَ عَبلَةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمي

وَعَمي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاِسلَمي

  • الجواء · موضع
  • عبلة · ابنة عمّه
3

فَوَقَفتُ فيها ناقَتي وَكَأَنَّها

فَدَنٌ لِأَقضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ

4

وَتَحُلُّ عَبلَةُ بِالجَواءِ وَأَهلُنا

بِالحَزنِ فَالصَمّانِ فَالمُتَثَلَّمِ

  • الجواء · موضع
  • عبلة · ابنة عمّه
5

حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهدُهُ

أَقوى وَأَقفَرَ بَعدَ أُمِّ الهَيثَمِ

6

حَلَّت بِأَرضِ الزائِرينَ فَأَصبَحَت

عَسِراً عَلَيَّ طِلابُكِ اِبنَةَ مَخرَمِ

7

عُلِّقتُها عَرَضاً وَأَقتُلُ قَومَها

زَعماً لَعَمرُ أَبيكَ لَيسَ بِمَزعَمِ

8

وَلَقَد نَزَلتِ فَلا تَظُنّي غَيرَهُ

مِنّي بِمَنزِلَةِ المُحَبِّ المُكرَمِ

9

كَيفَ المَزارُ وَقَد تَرَبَّعَ أَهلُها

بِعُنَيزَتَينِ وَأَهلُنا بِالغَيلَمِ

10

إِن كُنتِ أَزمَعتِ الفِراقَ فَإِنَّما

زُمَّت رِكابُكُمُ بِلَيلٍ مُظلِمِ

11

ما راعَني إِلّا حَمولَةُ أَهلِها

وَسطَ الدِيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمخِمِ

12

فيها اِثنَتانِ وَأَربَعونَ حَلوبَةً

سوداً كَخافِيَةِ الغُرابِ الأَسحَمِ

13

إذ تستبيكَ بذي غروب واضح

عذبٍ مقبلهُ لذيذُ المطعم

14

وكأَنَّ فَارَةَ تاجرٍ بقسيمَةٍ

سبقتْ عوارضها اليكَ من الفمْ

15

أوْ روْضَةً أُنُفاً تضمَّنَ نبتَها

غيْثٌ قليلُ الدِّمن ليسَ بمَعْلَمِ

16

جادَت عَليهِ كُلُّ بِكرٍ حُرَّةٍ

فَتَرَكنَ كُلَّ قَرارَةٍ كَالدِرهَمِ

17

سَحّاً وتسْكاباً فَكلَّ عشيَّةٍ

يجري عليها الماءُ لم يتصرَّم

18

وَخَلا الذُبابُ بِها فَلَيسَ بِبارِحٍ

غَرِداً كَفِعلِ الشارِبِ المُتَرَنِّمِ

19

هَزِجاً يَحُكُّ ذِراعَهُ بِذِراعِهِ

قَدحَ المُكِبِّ عَلى الزِنادِ الأَجذَمِ

الذباب يحكّ ذراعه كقدح الأجذم على الزناد. الروض يصير حركة لا لوناً.

الناقة

الراحلة شدنية خطّارة، تمسي على حشية، وينباع العرق من ذفراها. الشرّاح يقفون عند دقّة الجسد: ليست تمثالاً أملس، بل دابّة تتعب وتعرق. و«ينباع» أي يسيل، من غريب هذا الموضع.

موضع الجمال. العرق الذي «ينباع» يخرج الوصف من التمثال إلى الجسد الحيّ.

20

تمسي وتصبحُ فوق ظهر حشيةٍ

وأبيتُ فوق سرَاةِ أدْهم مُلْجَم

21

وحشيتي سرجٌ على عبل الشَّوى

نَهْدٍ مَراكِلُهُ نَبيلِ المحزِمِ

22

هل تبلغنى دارها شدنية

لُعِنتْ بمَحْرُوم الشَّرابِ مُصرَّم

23

خَطّارَةٌ غِبَّ السُرى زَيّافَةٌ

تَطِسُ الإِكامَ بِوَخذِ خُفٍّ ميثَمِ

24

وكأنما أقصُ الإكام عشيةً

بقريبِ بينِ المنْسِمين مُصلَّم

25

تأوي له قلصُ النَّعام كما أوتْ

حزقٌ يمانيةٌ لأعجمَ طمطمِ

26

يتبعنَ قلة رأسهِ وكأنهُ

حِدْجٌ على نعْش لهُنَّ مخيَّمِ

27

صَعلٍ يَعودُ بِذي العُشَيرَةِ بَيضَهُ

كَالعَبدِ ذي الفَروِ الطَويلِ الأَصلَمِ

28

شَربتْ بماءِ الدُّحرُضينِ فأَصْبحتْ

زوراءَ تنفرُ عن حياض الدَّيلم

29

هِرٍّ جَنيبٍ كلّما عطفتْ لهُ

غضبى اتقاها باليدين وبالفم

30

بَرَكَت عَلى جَنبِ الرِداعِ كَأَنَّما

بَرَكَت عَلى قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ

31

وَكأَنَّ رُبّاً أَو كُحَيلاً مُعقَداً

حَشَّ الوَقودُ بِهِ جَوانِبَ قُمقُمِ

32

ينْباعُ منْ ذِفْرَى غَضوبٍ جَسرَةٍ

زيافةٍ مثل الفَنيق المُكْدَمِ

ينباع العرق من الذفرى: الفعل غريب، والصورة عرق لا تمثال.

الفخر والحرب

إذا شرب فإنّه يستهلك المال وعرضه وافر لم يُكلم. يدعون عنتر والرماح كأشطان بئر في لبان الأدهم. يشكّ الرمح الأصمّ ثياب الخصم. ويختم بأنّه ترك أباهم جزر السباع. الفخر هنا دفع تهمة، لا زينة مجلس.

موضع الجمال. تشبيه الرماح بأشطان البئر: الحبال تنزل في البئر، والرماح تنزل في صدر الفرس. صورة عمق لا صورة طول فقط.

33

إنْ تغدفي دوني القناع فانني

طبٌّ بأخذ الفارس المستلــــئم

34

أثني عليَّ بما علِمْتِ فإنني

سمحٌ مخالقتي إذا لم أظلم

35

وإذا ظُلمْتُ فإنَّ ظُلميَ باسلٌ

مرٌّ مذَاقَتهُ كَطعم العَلْقم

36

ولقد شربتُ من المدامة بعد ما

رَكَدَ الهواجرُ بالمشوفِ المُعْلمِ

37

بزُجاجةٍ صفْراءَ ذاتِ أسرَّةٍ

قرنتْ بأزهر في الشمالِ مفدَّم

38

فإذا شربتُ فإنني مُسْتَهْلِكٌ

مالي وعرضي وافرٌ لم يُكلم

  • لم يُكلم · لم يُجرح عرضي
  • مستهلك · مُتلف للمال في السخاء

يستهلك المال ولا يُكلم العرض. السخاء مشروط بالكرامة في الشطر الثاني.

39

وإذا صَحَوْتُ فما أَقصِّرُ عنْ ندىً

وكما عَلمتِ شمائلي وَتَكَرُّمي

40

وحليل غانيةٍ تركتُ مجدلاً

تَمكو فريصتُهُ كشدْقِ الأَعْلَمِ

41

سبقتْ يدايَ له بعاجل طعنةٍ

ورشاشِ نافذَةٍ كلوْن العَنْدَمِ

42

هَلّا سَأَلتِ الخَيلَ يا اِبنَةَ مالِكٍ

إِن كُنتِ جاهِلَةً بِما لَم تَعلَمي

43

إذ لا أزالُ على رحالةِ سابح

نهْدٍ تعاوَرُهُ الكُماةُ مُكَلَّمِ

44

طَوْراً يجَرَّدُ للطعانِ وتارةً

يأوي الى حصدِ القسيِّ عرمرمِ

45

يُخبرْك من شَهدَ الوقيعَةَ أنني

أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم

46

ومدَّججٍ كرِهَ الكُماةُ نِزَالَهُ

لا مُمْعنٍ هَرَباً ولا مُسْتَسلم

47

جادتْ له كفي بعاجل طعنةٍ

بمثَقَّفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَوَّم

48

فَشَكَكتُ بِالرُمحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ

لَيسَ الكَريمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ

49

فتركتهُ جزرَ السباع ينشنهُ

يقضمنَ حسنَ بنانهِ والمعصم

  • سباع · السباع
50

وَمِشَكِّ سابغةٍ هَتكتُ فروجَها

بالسيف عن حامي الحقيقة معلم

51

زبدٍ يداهُ بالقداح إذا شتا

هتَّاك غايات التجار ملوَّم

52

لما رآني قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ

أبدى نواجذهُ لغير تبسُّم

53

عهدي به مَدَّ النّهار كأَنما

خضبَ اللبان ورأسهُ بالعظلم

54

فطعنتهُ بالرُّمح ثم علوتهُ

بمهندٍ صافيِ الحديد مخذَم

55

بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيابَهُ في سَرحَةٍ

يُحذى نِعالَ السِبتِ لَيسَ بِتَوأَمِ

56

يَا شَاةَ ما قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ

حرمتْ عليَّ وليتها لم تحرُم

57

فَبَعَثْتُ جاريتي فقلْتُ لها اذْهبي

فَتجسَّسي أخبارَها ليَ واعلمي

58

قالتْ رأيتُ منْ الأعادي غرَّةً

والشاةُ مُمكِنةٌ لمنْ هُو مُرْتَمِ

59

وكأنما التفتتْ بجيدِ جدايةٍ

رَشَاءٍ من الغِزْلانِ حُرٍّ أرثم

60

نِبِّئتُ عَمرواً غَيرَ شاكِرِ نِعمَتي

وَالكُفرُ مَخبَثَةٌ لَنَفسِ المُنعِمِ

61

ولقد حفظتُ وصاة عمّي بالضحى

إذ تقلصُ الشفتانِ عنْ وضح الفم

62

في حومةِ الحربِ التى لا تشتكي

غَمَرَاتِها الأَبطالُ غيْرَ تَغَمْغُمِ

63

إذْ يتقُون بي الأسَّنة لم أخمْ

عنها ولكني تضايق مُقدَمي

64

لما رأيتُ القومَ أقبلَ جمعهُم

يتذَامرونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مذَمّم

65

يدعون عنترَ والرِّماحُ كأنها

أشطانُ بئرٍ في لبانِ الأدهم

الرماح أشطان بئر في صدر الأدهم. العمق لا الطول.

66

ما زلتُ أرميهمْ بثغرةِ نحره

ولِبانِهِ حتى تَسَرْبلَ بالدّم

67

فازورّ من وقع القنا بلبانهِ

وشكا إليّ بعَبْرةٍ وَتَحَمْحُمِ

68

لَو كانَ يَدري ما المُحاوَرَةُ اِشتَكى

وَلَكانَ لَو عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي

69

ولقد شفى نفسي وأبرأ سُقمها

قيلُ الفوارس ويكَ عنتر أقدم

70

والخيلُ تقْتَحِمُ الخَبَارَ عوابساً

ما بين شيْظمةِ وآخر شيْظم

71

ذللٌ ركابي حيثُ شئتُ مشايعي

لُبِّي وأجْفزُهُ بِأَمْرٍ مُبْرَمِ

72

ولقد خشيتُ بأنْ اموتَ ولم تدرْ

للحربِ دائرةٌ على ابْنَي ضَمْضَمِ

73

الشَّاتِمِيْ عِرْضِي ولم أشْتِمْهُما

والنَّاذِرَيْنِ إذا لم ألقهما دَمي

74

إن يفعلاَ فلقد تركتُ أباهما

جزرَ السباع وكلِّ نسرٍ قعشم

  • سباع · السباع