بقر وحش عند غدير في ديار عفت

لبيد بن ربيعة

عفت الديار

عفت الديار محلّها فمقامها

الكامل · قافية الميم · نحو ٥٨٠م · 88 بيتاً

ديار عفت فتأبّدت، ثم نوار، ثم ناقة وبقرة وحشية قُتل ولدها — وهي من أتمّ قصص الحيوان في الشعر — ثم فخر وفّى به حتى أدرك الإسلام.

الغريب معنى معجمي على سنن الزوزني والتبريزي وابن الأنباري، وشرح المقطع على طريقتهم، لا نقل حرفي من حاشية. الرواية هي هذه النسخة، وإذا سقط بيت اشتهر في رواية أخرى نُبّه عليه في موضعه.

مواطن الجمال

الديار

عفت الديار: المحلّ والمقام بمنًى، وتأبّد غولها ورجامها. السيول جلت الطلول فكأنها زُبُر تُعيد أقلامها. ثم يقف يسألها «وكيف سؤالنا صُمّاً خوالد». لبيد يجمع المطر والكتابة: الرسم كتاب تمطره السماء ثم تمحوه.

موضع الجمال. تشبيه الطلول بالكتب التي أُعيد عليها القلم. الديار نصّ، والمطر قارئ يمحو.

1

عفتِ الديارُ محلُّها فمُقامُهَا

بمنًى تأبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا

  • مقامها · حيث الإقامة
  • محلّها · حيث الحلول
  • تأبّد · توحّش

المحَلّ فالمقام، ثم الغول فالرجام. العفاء يمشي على الأسماء.

2

فمدافعُ الرَّيَّانِ عرِّيَ رسْمُها

خلقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها

  • مدافع الريان · مجاري الماء من جبل الريان
3

دمِنٌ تَجَرَّمَ بعدَ عَهْدِ أنِيسِهَا

حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُهَا وحَرَامُهَا

  • تجرّم · انقضى
4

رزقَتْ مرابيعَ النُّجومِ وصابَهَا

ودقُ الرواعدِ جوْدُهَا فرهامُها

  • رزقت · أصابتها الرزقة، أي المطر
5

منْ كلِّ سَارِيَةٍ وغادٍ مُدْجِنٍ

وعشيَّةٍ متجاوبٍ إرْزامُهَا

6

فَعَلا فُرُوعُ الأيْهُقَانِ وَأطْفَلَتْ

بالجلهتين ظباؤهَا ونعامُها

  • الأيهقان · الجرجير البرّي
7

والعينُ ساكِنةٌ على أطْلائِها

عُوذاً تَأجَّلُ بالفضَاءِ بِهَامُها

8

وجَلا السُّيولُ عن الطّلُولِ كأنّها

زبرٌ تجِدُّ متونَها أقْلامُها

الطلول زُبُر تُعيدها الأقلام بعد السيول. الديار كتاب.

9

أوْ رَجْعُ واشِمةٍ أُسِفَّ نَؤورُهَا

كففاً تعرَّضَ فوقَهنَّ وشامُها

10

فوقفتُ أسْألُهَا، وكيفَ سُؤالُنَا

صُمّاً خوالدَ ما يُبينُ كلامُها

11

عرِيتْ وكان بها الجميعُ فأبكرُوا

منها وَغُودرَ نُؤيُهَا وَثُمَامُها

الظعن

«شاقتك ظعن الحي حين تحمّلوا» فتكنّسوا قطناً تصرّ خيامها. الحدوج محفوفة بالكلل، ونعاج توضح وظباء وجرة فوقها. الظعن هنا لوحة انتقال قصيرة قبل اسم نوار.

موضع الجمال. تشبيه الظعن بالنعاج والآرام يجمع الرحيل بالوحش، كأن الحيّ صار قطيعاً يغيب.

12

شاقتكَ ظُعْنُ الحيِّ حينَ تحمّلُوا

فتكنَّسُوا قُطُناً تَصِرُّ خِيَامُها

13

من كلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ

زوْجٌ عليه كلَّةٌ وفرامُهَا

14

زُجَلاً كأنَّ نِعَاجَ تُوضِحَ فَوْقَهَا

وظِباءَ وجرَةَ عُطَّفاً آرَامُهَا

15

حُفِزَتْ وَزَايَلَهَا السَّرَابُ كأنها

أجْزَاعُ بِيشةَ أثْلُهَا وَرُضَامُهَا

نوار

«بل ما تذكر من نوار وقد نأت». ثم «فاقطع لبانة من تعرّض وصله». وبعدها الناقة: هباب في الزمام كأنها صهباء لُطّخ بالعِرفَج. السفر جواب الهجر.

موضع الجمال. «فاقطع لبانة» حكمة قطع لا حكمة صبر: الجمال في الحدّة.

16

بلْ ما تذكرُ منْ نوارَ وقد نأتْ

وَتَقَطَّعَتْ أسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا

17

مُرِّيَّةٌ حَلَّتْ بِفَيْدَ وَجَاوَرَتْ

أهْلَ الحِجَازِ فأيْنَ مِنْكَ مَرَامُهَا

18

بمشارقِ الجبلين أو بِمُحَجَّرٍ

فَتَضَمَّنَتْهَا فَرْدَةٌ فَرُخَامُهَا

19

فَصُوَائقٌ إنْ أيْمَنَتْ فَمَظِنَّةٌ

فيها وحافُ القَهْرِ أوْ طِلْخامُهَا

20

فاقطعْ لُبانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ

ولَشرُّ واصلِ خُلَّةٍ صَرَّامُها

21

واحبُ المُجَامِلَ بالجزيلِ وصرمُهُ

باقٍ إذا ضلعَتْ وزاغَ قوامُهَا

22

بِطَليحِ أسْفَارٍ تَرَكْنَ بقيَّةً

منها فأحنقَ صُلْبُها وسنامُها

23

وإذا تغالى لحمُها وتحسَّرتْ

وتَقَطَّعَتْ بعد الكَلالِ خِدَامُهَا

24

فلها هبابٌ في الزِّمامِ كأنَّها

صهباءُ خَفَّ مع الجنوبِ جَهَامُها

الناقة وحمار الوحش

يشبّه الناقة بحمار وحش وأتانه: «أو ملمع وسقت لأحقب». يعلوان الإكام، ويسلخان جمادى، ثم يردان السريّ. هذا المثل عند الشراح آلةُ سرعة، لا قصة مستقلة، لكن لبيداً يتمّه حتى المشهد.

موضع الجمال. طول القصة هو الجمال: التشبيه لا يُغلق في شطر، بل يمشي مع الحيوان حتى الماء.

25

أو ملمِعٌ وسقَتْ لأحقبَ لاحَهُ

طَرْدُ الفُحول وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا

26

يعلوُ بها حدبُ الإكامِ مسحَّجٌ

قَد رابَهُ عصيانُهَا ووحَامُها

27

بأحِزَّةِ الثَّلَبُوتِ يَرْبَأُ فَوْقَهَا

قَفْر المَرَاقِبِ خَوْفُهَا آرامُهَا

28

حتى إذا سَلَخَا جُمَادَى ستَّةً

جَزءاً فطالَ صِيامُهُ وَصِيَامُها

29

رَجَعَا بأمرهما إلى ذي مِرَّةٍ

حصدٍ، ونجحُ صريمةٍ إبرامُهَا

30

ورمى دوابرَهَا السَّفَا وتهيَّجَتْ

ريحُ المصايِفِ سَوْمُهَا وسِهامُهَا

31

فتنازعا سَبِطاً يطيرُ ظلالُهُ

كدخانِ مُشْعَلةٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَا

32

مشمُولةٍ غلِثَتْ بنابتِ عرْفَجٍ

كَدُخَانِ نارٍ سَاطِعٍ أسْنَامُها

33

فمضى وَقَدَّمَهَا وكانتْ عادةً

منه إذا هِيَ عَرَّدَتْ إقدامُها

34

فتوسَّطا عرضَ السَّريَّ وصدَّعا

مسجورةً متجاوراً قُلاَّمُهَا

35

محفوفةً وسطَ اليراعِ يُظِلُّها

مِنه مُصَرَّعُ غَابةٍ وقِيامُها

البقرة الوحشية

«أفتلك أم وحشية مسبوعة»: بقرة ضيّعت الفرير، والسباع أصابتها غرّة. تبيت والواكف يسحّ، وتصبح وكلا الفرجين — الطريقين — تظنه موطن الخطر. ثم الكلاب والسمهرية. الشراح يجعلونها مثلاً للناقة، والصورة أتمّ من المثل.

موضع الجمال. المطر على البقرة المكلومة من أرقّ السرد الجاهلي: لا حكمة تُقال، والمشهد يكفي.

36

أفَتِلْكَ أم وحْشِيَّةٌ مسبوعَةٌ

خذلتْ وهاديةُ الصِّوارِ قِوَامُها

  • الصوار · القطيع

«أفتلك أم وحشية»: الاستفهام ينقل من الناقة إلى البقرة بلا قطع. هذا مفصل القصيدة.

37

خَنْساءُ ضَيَّعَتِ الفَريرَ فلمْ يَرِمْ

عرضَ الشَّقائِقِ طوفُها وبغامُها

38

لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شِلْوَهُ

غُبْسٌ كواسِبُ لا يُمَنُّ طَعَامُها

39

صَادَفْنَ منها غِرَّةً فَأصَبْنَهَا

إنَّ المنايا لا تطيشُ سهامُهَا

40

باتَتْ وَأسْبَلَ واكفٌ من ديمةٍ

يروِي الخمائلَ دائماً تسجامُها

41

يعدُو طريقةَ متنِهَا متواتِرٌ

في ليلةٍ كَفَرَ النُّجومَ غَمَامُهَا

42

تجتافُ أصْلاً قالِصاً متنبّذاً

بعجوبِ أنْقاءٍ يميلُ هُيَامُها

43

وتُضيءُ في وَجْهِ الظلام مُنِيرةً

كجمانَةِ البحريِّ سُلَّ نظامُها

44

حتى إذا انحسَرَ الظلامُ وَأسْفَرَتْ

بكرتْ تزلُّ عن الثَّرَى أزْلامُها

45

عَلِهَتْ تَرّدَّدُ في نِهاءِ صَعَائِدٍ

سَبْعاً تُؤاماً كاملاً أيَّامُها

46

حتى إذا يَئسَتْ وأسْحَقَ حَالِقٌ

لم يُبلهِ إرْضاعُها وفِطَامُها

47

وتوجسَّتْ رزَّ الأنيسِ فَرَاعَها

عن ظهرِ غَيْبٍ، والأنيسُ سَقَامُها

48

فَغَدَتْ كلا الفَرجَينِ تَحْسَبُ أنَّهُ

مَولى المخافة خلفُها وأمامُها

49

حتى إذا يئسَ الرُّماةُ وأرْسَلُوا

غضفاً دواجنَ قافلاً أعْصامُها

50

فَلَحِقْنَ واعتكرتْ لها مَدْرِيَّةٌ

كالسَّمهريَّةِ حَدَّهَا وتَمَامُهَا

51

لِتذَودَهُنَّ وَأيقنتْ إن لم تَذُدْ

أن قد أحمَّ مع الحتوفِ حمامُها

52

فتقصدَتْ منها كَسابِ فضُرِّجتْ

بدمٍ وغودرَ في المَكَرِّ سُخَامُها

الفخر

ترّاك أمكنة إذا لم يرضها. يعلو المرتقب في الهبوة. ينكر الباطل ويبوء بالحق. وقومه يُعينون على الندى، وهم العشيرة إن بطّأ الحاسد. الفخر هنا جماعي هادئ، بخلاف فخر عمرو بن كلثوم.

موضع الجمال. ختام القصيدة بالعشيرة لا بالنفس: هذا وقار لبيد الذي عُرف به.

53

فبتلْكَ إذْ رقَصَ اللوامعُ بالضُّحى

واجتابَ أرديةَ السَّرَابِ إكامُها

54

أقضي اللُّبانةَ لا أفرِّطُ ريبةً

أو أن يلومَ بحاجةٍ لُوَّامُهَا

55

أوَلم تكنْ تدري نَوَارُ بأنَّني

وَصَّالُ عَقْدِ حَبَائِلٍ جَذَّامُها

56

تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أرْضَهَا

أوْ يعتلقْ بعضَ النفوسِ حِمامُها

57

بل أنتِ لا تدرين كم مِنْ ليلةٍ

طَلْقٍ لذيذٍ لَهْوُها ونِدَامُها

58

قَد بِتُّ سامِرَها، وغَاية تاجرٍ

وافيتُ إذ رُفِعَتْ وَعَزَّ مُدَامُها

59

أُغْلي السِّباءَ بكلِّ أدْكَنَ عاتقٍ

أو جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها

60

بصَبوحِ صافيةٍ وجذبِ كرينةٍ

بموَتَّرٍ تأتالُهُ إبهامُهَا

61

بادرتُ حاجتَها الدّجاجَ بسحرَةٍ

لأعَلَّ منها حينَ هبّ نيامُها

62

وغداةِ ريحٍ قَدْ وزعتُ وَقَرَّةٍ

إذ أصْبَحَتْ بيدِ الشَّمالِ زمامُها

63

ولقَد حميْتُ الحيَّ تحملُ شِكَّتي

فرطٌ، وشاحي إذْ غدوتُ لجامُها

64

فعَلوتُ مرتقباً عَلى ذي هَبْوَةٍ

حَرِجٍ إلى أعلامِهِنَّ قَتَامُها

65

حتى إذا ألْقَتْ يداً في كافرٍ

وَأجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلامُها

66

أسْهلْتُ وانتصَبتْ كجذع منيفَةٍ

جَرْدَاءَ يَحْصَرُ دونها جُرَّامُها

67

رَفَّعْتُهَا طَرَدَ النَّعامِ وَشَلَّهُ

حتى إذا سَخِنَتْ وَخَفَّ عظامُها

68

قَلِقَتْ رِحَالَتُهَا وَأسْبَلَ نَحْرُهَا

وابتلَّ من زَبَدِ الحمِيمِ حِزَامُهَا

69

تَرْقَى وَتَطَعْنُ في العِنَانِ وتَنْتَحي

وِرْدَ الحمَامة إذ أجَدَّ حَمَامُها

70

وكثيرةٍ غُرَباؤهَا مَجْهُولَةٍ

ترجَى نوافِلُها ويخْشَى ذامُها

71

غُلْبٌ تَشَذَّرُ بالذُّحُولِ كأنَّهَا

جنُّ البديِّ رواسياً أقدامُها

72

أنكرتُ باطلَها وَبُؤْتُ بحقِّها

عندي، ولم يَفْخَرْ عليَّ كرامُها

73

وَجزَورِ أيْسَارٍ دَعَوْتُ لحتفِها

بِمَغَالِقٍ مُتَشَابهٍ أجسامُها

74

أدعُو بهنَّ لعاقِرِ أوْ مطفِلٍ

بذلَتْ لجيرانِ الجميعِ لحامُها

75

فالضيفُ والجارُ الجنيبُ كأنّما

هبَطَا تبالَةَ مخصِباً أهْضَامُها

  • الجنيب · الفرس المجنوب
76

تأوِي إلى الأطْنابِ كلُّ رذيَّةٍ

مِثْلُ البَلِيّةِ قَالصٌ أهدَامُها

77

ويكلّلُونَ إذا الرياحُ تناوحَتْ

خُلُجاً تمدُّ شوارعاً أيْتَامُها

78

إنّا إذا التقتِ المجَامِعُ لم يَزَلْ

منّا لِزَازُ عظيمةٍ جَشّامُها

79

وَمُقَسِّمٌ يُعْطِي العشيرةَ حَقَّهَا

وَمُغَذْمِرٌ لحقوقِها هَضَّامُها

80

فضلاً، وذو كرمٍ يعينُ على النَّدى

سمحٌ كسُوبُ رغائبٍ غنّامُها

81

مِنْ معشرٍ سنَّتْ لهمْ آباؤهُمْ

ولكلِّ قومٍ سُنَّةٌ وإمامُهَا

82

لا يَطبَعونَ وَلا يَبورُ فَعالُهُم

إِذ لا يَميلُ مَعَ الهَوى أَحلامُها

83

فاقْنَعْ بما قَسَمَ المليكُ فإنّمَا

قسمَ الخلائقَ بينَنا علاَّمُها

84

وإذا الأمانةُ قُسِّمَتْ في مَعْشَرٍ

أوْفَى بأوْفَرِ حَظِّنَا قَسّامُهَا

85

فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكُهُ

فَسَما إليه كَهْلُهَا وَغُلامُها

86

وَهُمُ السُّعَاةُ إذا العشيرةُ أُفْظِعَتْ

وهمُ فوارِسُهَا وَهمْ حُكّامُها

87

وهمُ رَبيعٌ للمُجَاورِ فيهمُ

والمرملاتِ إذا تطاولَ عَامُها

88

وَهُمُ العَشيرةُ أنْ يُبَطِّىءَ حاسدٌ

أو أن يميلَ معَ العدوِّ لئامُها