
زهير بن أبي سلمى
أمن أم أوفى
أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم
الطويل · قافية الميم · نحو ٦٠٠م · 59 بيتاً
معلّقة الصلح بين عبس وذبيان. طلل قصير، ثم مدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان، ثم قصة حصين بن ضمضم، ثم حكم صارت دستوراً: المنايا خبط عشواء، ومن لا يصانع يُضرَّس.
الغريب معنى معجمي على سنن الزوزني والتبريزي وابن الأنباري، وشرح المقطع على طريقتهم، لا نقل حرفي من حاشية. الرواية هي هذه النسخة، وإذا سقط بيت اشتهر في رواية أخرى نُبّه عليه في موضعه.
مواطن الجمال
الدمنة والظعن
الدمنة لا تتكلم. المواضع: حومانة الدرّاج فالمتثلّم. ثم العين (بقر الوحش) والآرام تمشي في الديار. والخليط يتحمّل والعيس تعلو بأنماط عتاق. سؤال المطلع إنكاري: أهذه دمنة أمّ أوفى؟ والسكوت هو الجواب.
موضع الجمال. «لم تكلم» يجعل الطلل شخصاً أخرس. هذا أهدَأ مطالع المعلقات.
أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ
بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ
- المتثلّم · موضع
- حومانة · مكان غليظ منقاد
- الدرّاج · موضع
- دمنة · أثر الدار
الدمنة لا تتكلم. أهدأ مطلع، والسؤال بلا جواب هو المعنى.
وَدارٌ لَها بِالرَقمَتَينِ كَأَنَّها
مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ
بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً
وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ
وَقَفتُ بِها مِن بَعدِ عِشرينَ حِجَّةً
فَلَأياً عَرَفتُ الدارَ بَعدَ التَوَهُّمِ
أَثافِيَّ سُفعاً في مُعَرَّسِ مِرجَلٍ
وَنُؤياً كَجِذمِ الحَوضِ لَم يَتَثَلَّمِ
- أثافي · حجارة القدر
فَلَمّا عَرَفتُ الدارَ قُلتُ لِرَبعِها
أَلا عِم صَباحاً أَيُّها الرَبعُ وَاِسلَمِ
تَبَصَّر خَليلي هَل تَرى مِن ظَعائِنٍ
تَحَمَّلنَ بِالعَلياءِ مِن فَوقِ جُرثُمِ
عَلَونَ بِأَنماطٍ عِتاقٍ وَكِلَّةٍ
وِرادٍ حَواشيها مُشاكِهَةِ الدَمِ
وَفيهِنَّ مَلهىً لِلصَديقِ وَمَنظَرٌ
أَنيقٌ لِعَينِ الناظِرِ المُتَوَسِّمِ
بَكَرنَ بُكوراً وَاِستَحَرنَ بِسُحرَةٍ
فَهُنَّ لِوادي الرَسِّ كَاليَدِ لِلفَمِ
- الرس · البئر
جَعَلنَ القَنانَ عَن يَمينٍ وَحَزنَهُ
وَمَن بِالقَنانِ مِن مُحِلٍّ وَمُحرِمِ
ظَهَرنَ مِنَ السوبانِ ثُمَّ جَزَعنَهُ
عَلى كُلِّ قَينِيٍّ قَشيبٍ مُفَأَّمِ
- السوبان · موضع
كَأَنَّ فُتاتَ العِهنِ في كُلِّ مَنزِلٍ
نَزَلنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَم يُحَطَّمِ
فَلَمّا وَرَدنَ الماءَ زُرقاً جِمامُهُ
وَضَعنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ
الصلح
«سعى ساعيا غيظ بن مرة» ثم القسم بالبيت الذي طاف به الحجيج. عبس وذبيان تفانَوا ودقّوا بينهم عطر منشم — أي أثاروا حرباً مشؤومة. والشراح يفسّرون منشم بعطّارة اشترى قومٌ عطرها فتحاربوا. ثم يُثني على من عقَل الدماء بالمال. الحرب تُلقح وتُتئم وتُغلّ لأهلها ما لا تُغلّه اللقوح.
موضع الجمال. استعارة الحرب ناقةً تُلقح وتُتئم: الشرّ يلد. وعطر منشم كناية صار مثلاً.
سَعى ساعِيا غَيظِ بنِ مُرَّةَ بَعدَما
تَبَزَّلَ ما بَينَ العَشيرَةِ بِالدَمِ
فَأَقسَمتُ بِالبَيتِ الَّذي طافَ حَولَهُ
رِجالٌ بَنَوهُ مِن قُرَيشٍ وَجُرهُمِ
يَميناً لَنِعمَ السَيِّدانِ وُجِدتُما
عَلى كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ وَمُبرَمِ
تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما
تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ
- عطر منشم · عطر كانت العرب تتشاءم منه إذا تحاربوا
- تفانوا · أفنى بعضهم بعضاً
- دقّوا · طحنوا، أي أهلكوا
عطر منشم: كناية الحرب التي تُشترى كما يُشترى الطيب، ثم لا تُردّ.
وَقَد قُلتُما إِن نُدرِكِ السِلمَ واسِعاً
بِمالٍ وَمَعروفٍ مِنَ الأَمرِ نَسلَمِ
فَأَصبَحتُما مِنها عَلى خَيرِ مَوطِنٍ
بَعيدَينِ فيها مِن عُقوقٍ وَمَأثَمِ
عَظيمَينِ في عُليا مَعَدٍّ وَغَيرِها
وَمَن يَستَبِح كَنزاً مِنَ المَجدِ يَعظُمِ
فَأَصبَحَ يَجري فيهُمُ مِن تِلادِكُم
مَغانِمُ شَتّى مِن إِفالِ المُزَنَّمِ
تُعَفّى الكُلومُ بِالمِئينَ فَأَصبَحَت
يُنَجِّمُها مَن لَيسَ فيها بِمُجرِمِ
يُنَجِّمُها قَومٌ لِقَومٍ غَرامَةً
وَلَم يُهَريقوا بَينَهُم مِلءَ مِحجَمِ
- مُحجم · كافّ نفسه عن القتال
فَمِن مُبلِغُ الأَحلافِ عَنّي رِسالَةً
وَذُبيانَ هَل أَقسَمتُمُ كُلَّ مُقسَمِ
فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم
لِيَخفى وَمَهما يُكتَمِ اللَهُ يَعلَمِ
يُؤَخَّر فَيوضَع في كِتابٍ فَيُدَّخَر
لِيَومِ الحِسابِ أَو يُعَجَّل فَيُنقَمِ
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً
وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها
وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
- تُتئم · تلد اثنين
فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم
كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ
فَتُغلِل لَكُم ما لا تُغِلُّ لِأَهلِها
قُرىً بِالعِراقِ مِن قَفيزٍ وَدِرهَمِ
حصين بن ضمضم
بعد الصلح يقصّ حصين بن ضمضم: طوى كشحاً على نية، وقضى حاجته ثم اتقى العدو بألفٍ ملجم. البيوت لم تفزع إلا حيث ألقت أمّ قشعم رحلها — والحرب هي أمّ قشعم عند الشراح. ثم غمار تسيل بالرماح، وديات تُساق غرامة. هذا سرد نقضٍ للصلح، لا سلسلة الحكم بعد.
موضع الجمال. إلقاء الرحل عند أمّ قشعم نزولٌ للحرب لا للضيافة. الكناية تقلب الضيافة إلى قتل.
لَعَمري لَنِعمَ الحَيُّ جَرَّ عَلَيهِمُ
بِما لا يُواتيهِم حُصَينُ بنُ ضَمضَمِ
- حصين · حصين بن ضمضم
وَكانَ طَوى كَشحاً عَلى مُستَكِنَّةٍ
فَلا هُوَ أَبداها وَلَم يَتَجَمجَمِ
وَقالَ سَأَقضي حاجَتي ثُمَّ أَتَّقي
عَدُوّي بِأَلفٍ مِن وَرائِيَ مُلجَمِ
فَشَدَّ وَلَم تَفزَع بُيوتٌ كَثيرَةٌ
لَدى حَيثُ أَلقَت رَحلَها أُمُّ قَشعَمِ
لَدى أَسَدٍ شاكي السِلاحِ مُقَذَّفٍ
لَهُ لِبَدٌ أَظفارُهُ لَم تُقَلَّمِ
جَريءٍ مَتى يُظلَم يُعاقِب بِظُلمِهِ
سَريعاً وَإِلّا يُبدَ بِالظُلمِ يَظلِمِ
رَعَوا ما رَعَوا مِن ظِمئِهِم ثُمَّ أَورَدوا
غِماراً تَسيلُ بِالرِماحِ وَبِالدَمِ
فَقَضَّوا مَنايا بَينَهُم ثُمَّ أَصدَروا
إِلى كَلَأٍ مُستَوبِلٍ مُتَوَخَّمِ
لَعَمرُكَ ما جَرَّت عَلَيهِم رِماحُهُم
دَمَ اِبنِ نَهيكٍ أَو قَتيلِ المُثَلَّمِ
وَلا شارَكوا في القَومِ في دَمِ نَوفَلٍ
وَلا وَهَبٍ مِنهُم وَلا اِبنِ المُحَزَّمِ
فَكُلّاً أَراهُم أَصبَحوا يَعقِلونَهُم
عُلالَةَ أَلفٍ بَعدَ أَلفٍ مُصَتَّمِ
تُساقُ إِلى قَومٍ لِقَومٍ غَرامَةً
صَحيحاتِ مالٍ طالِعاتٍ بِمَخرِمِ
لِحَيٍّ حِلالٍ يَعصِمُ الناسَ أَمرُهُم
إِذا طَلَعَت إِحدى اللَيالي بِمُعظَمِ
كِرامٍ فَلا ذو الوِترِ يُدرِكُ وِترَهُ
لَدَيهِم وَلا الجاني عَلَيهِم بِمُسلَمِ
الحكم
تبدأ بـ«سئمت تكاليف الحياة»، ثم «رأيت المنايا خبط عشواء». وبعدهما سلسلة «ومن»: من لا يصانع يُضرَّس، ومن يبخل بفضله يُذمّ، ومن يجعل المعروف من دون عرضه يَفِره، ومن هاب أسباب المنية يلقها. بيت «لسان الفتى نصف ونصف فؤاده» ليس في هذه الرواية، وهو في روايات أخرى.
موضع الجمال. خبط العشواء: ناقة عمياء تخبط. الموت بلا قصد. وهذا أصدق تشبيه جاهلي للقدر، لأنه لا يُجمّل القضاء.
سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش
ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ
سئمت تكاليف الحياة: الشيخوخة ثمانون حولاً، لا حكمة زهد متأخرة.
رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب
تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ
المنايا خبط عشواء: ناقة عمياء. الموت بلا قصد ولا بطولة.
وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ
وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَم
وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ
يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ
من لا يصانع يُضرَّس بالأنياب ويُوطأ بالمنسم. الصلح نفسه لغة هذه الصورة.
وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ
عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ
وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ
يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ
ومن لا يزد عن حوضه بنفسه
يهدم ومن يخالق الناس يعلم
وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها
وَإن يرق أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ
وَمَن يَعصِ أَطرافَ الزُجاجِ ينلنهُ
يُطيعُ العَوالي رُكِّبَت كُلَّ لَهذَمِ
وَمَن يوفِ لا يُذمَم وَمَن يُفضِ قَلبُهُ
إِلى مُطمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمجَمِ
وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ
وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ
وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
وَمَن يزل حاملاً على الناسَ نَفسَهُ
وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ